محمد ابو زهره
743
خاتم النبيين ( ص )
ولكن قريشا تعاديه والحرم المكي الشريف تحت سلطانها ، فلا بد أن يفرغ من عداوتها ، تمكينا للدعوة ، وتعبيدا للسبيل إلى الحج ، الذي هو نسك من نسك الإسلام ، ولأنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يريد التفرغ لليهود الذين تجمعوا في خيبر ، وهم وحدهم الذين يريدون الانقضاض على المدينة ، زاعمين أنها ديارهم أخرجهم منها ، وقتل من قتل منهم . فكان لابد أن يعرف أمر قريش ، وأن يعرف أهم يسهلون له أداء فريضة الحج ، بقية ديانة إبراهيم في أرض العرب ، أم أنهم يقفون في سبيله كما وقفوا دائما . لابد أن يقرن النية بالعمل ، فذهب ليحج ، وكانت موقعة الحديبية التي سماها اللّه تعالى فتحا مبينا ، لأنها أزالت الحواجز النفسية التي كانت تحاجز بين النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وبين قريش ، والتقى بهم الأمين الحبيب الذي عرفوه في صباه ، وشبابه ، وزالت المحاجزات بسبب الخلاف والنفور ، والحرب . غزوة الحديبية : 504 - في ذي القعدة سنة ست من الهجرة النبوية ، كما تطابقت كل الروايات ، وهي من أشهر الحج ، اعتزم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ومن معه من أصحابه الحج ، وكان معه سبعمائة ، ولكن قال جابر بن عبد اللّه : كان معه أربع عشرة مائة أي نحو 1400 ، وهذا معقول ، فقد كان جيشه صلى اللّه تعالى عليه وسلم مرهبا لقريش ، وما كان يرهبها ما دون الألف ، ولقد ذكر ذلك العدد ، وهو 1400 ( أربعمائة وألف ) البخاري وغيره ، ورقم السبعمائة لابن إسحاق . خرج رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وهم لا يريدون حربا ، بل يريدون حجا جامعا ، ولكنه ما أن وصل إلى عسفان حتى لقيه بشر بن سفيان الكعبي ، ويظهر أن قريشا قد علمت أو ظنت خروج رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وهي الحذرة المتحفزة . قال بشر بن سفيان : يا رسول اللّه ، هذه قريش قد سمعت بمسيرك ، فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور ، وقد نزلوا بذى طوى ، يعاهدون اللّه لا تدخلها عليهم أبدا ، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم . قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم الرحيم بقومه راجيا الإسلام فيهم ، وإن حاربوه : يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب ، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب ، فإن أصابونى كان ذلك الذي أرادوا ، وإن أظهرنى اللّه تعالى عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش ، فو اللّه لا أزال أجاهد على هذا الذي بعثني اللّه به ، حتى يظهره ، أو تنفرد هذه السالفة .